الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

236

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

كانوا من قبلهم . إن الذي تحكيه الآيات وتدعونا للاعتبار به ليس تأريخا مدونا نستطيع أن نشكك في طبيعة الوثائق والنصوص المكونة له ، وإنما هو تأريخ حي ينطق عن نفسه ، وينبض بالعبرة والعظة ، فهذه قصور الظالمين الخربة ، وما تركوه من جنات وعيون ، وهذه مدن الأشقياء التي نزل بساحتها العذاب والانتقام الإلهي ، وها هي عظامهم النخرة التي يطويها التراب ، والقصور المدفونة تحت الأرض . . . ها هي كلها تحكي عظة الدرس ، وعظيم العبرة ، خصوصا وأن القرآن يزيدنا معرفة بهؤلاء فيقول عنهم : كانوا هم أشد منهم قوة وآثارا في الأرض . كانوا يملكون السلطات القوية ، والجيوش العظيمة ، والمدنية الباهرة التي لا يمكن مقايستها بحياة مشركي مكة . إن تعبير أشد منهم قوة يكشف عن قوتهم السياسية والعسكرية ، وعن قوته الاقتصادية والعلمية أيضا . أما التعبير في قوله تعالى : آثارا في الأرض فلعله إشارة إلى تقدمهم الزراعي العظيم ، كما ورد في الآية ( 9 ) من سورة " الروم " في قوله تعالى : أو لم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم كانوا أشد منهم قوة وأثاروا الأرض وعمروها أكثر مما عمروها . وقد يكون التعبير القرآني إشارة إلى البناء المحكم العظيم للأمم السابقة ، مما قاموا به في أعماق الجبال وبين السهول ، كما يصف القرآن ذلك في حال قوم " عاد " : أتبنون بكل ريع آية تعبثون وتتخذون مصانع لعلكم تخلدون ( 1 ) . ولكن عاقبة هؤلاء القوم ، بكل ما انطوت عليه حياتهم من مظاهر قوة وحياة ونماء ، هي كما يقول تعالى : فأخذهم الله بذنوبهم وما كان لهم من الله من واق .

--> 1 - الشعراء ، الآية 128 - 129 .